الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

617

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

شيء مع خلوه من محبته . قال : فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذلك الميل لم يكمل إيمانه ، وإلى هذا يومئ قول عمر في الحديث الذي رواه البخاري في « الأيمان والنذور » من حديث عبد اللّه بن هشام أن عمر بن الخطاب قال للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - : لأنت يا رسول اللّه أحب إلى من كل شيء إلا نفسي التي بين جنبي ، فقال النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - : « لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه » فقال عمر : والذي أنزل عليك الكتاب لأنت أحب إلى من نفسي التي بين جنبي ، فقال له النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - : « الآن يا عمر » « 1 » . فهذه المحبة ليست باعتقاد الأعظمية فقط . فإنها كانت حاصلة لعمر قبل ذلك قطعا . وفي رواية فقال - صلى اللّه عليه وسلم - : « لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك » قال بعض الزهاد : تقدير الكلام ، لا تصدق في حبى حتى تؤثر رضاى على هواك وإن كان فيه الهلاك . وأما وقوف عمر في أول أمره ، واستثناؤه نفسه ، فلأن حب الإنسان نفسه طبع ، وحب غيره اختيار بتوسط الأسباب ، وإنما أراد - صلى اللّه عليه وسلم - منه حب الاختيار ، إذ لا سبيل إلى قلب الطباع وتغييرها عما جبلت عليه . وعلى هذا فجواب عمر أولا كان بحسب الطبع ، ثم تأمل فعرف بالاستدلال أن النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - أحب إليه من نفسه لكونه السبب في نجاتها من الهلكات في الدنيا والآخرة ، فأخبره بما اقتضاه الاختيار ، فذلك حصل الجواب بقوله ( الآن يا عمر ) أي الآن عرفت فنطقت بما يجب . وإذا كان هذا شأن نبينا محمد - صلى اللّه عليه وسلم - عبد اللّه ورسوله في محبتنا له ووجوب تقديمها على محبة أنفسنا وأولادنا ووالدينا والناس أجمعين ، فما الظن بمحبة اللّه تعالى ووجوب تقديمها على محبة ما سواه ، ومحبة اللّه تعالى تختص عن محبة غيره في قدرها وصفتها ، وإفراده سبحانه وتعالى بها ، فإن الواجب له من ذلك أن يكون أحب إلى العبد من ولده ووالده ، بل من سمعه

--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 6632 ) في الأيمان والنذور ، باب : كيف كانت يمين النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - .